الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
80
سبك المقال لفك العقال
المهاد والتوطئة من نفسك لنفسك ، ثم مع غيرك ترتيب قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا « 1 » ، فتحقق فهم النطق من نفسك ومراتبه تعرف كلام الحق ، اعرف نفسك تعرف ربك ، ومن هذه المراتب تفهم مراتب العقول وكيف مهدت . واعلم أن للعقل مراتب ، وله أسماء بحسب تلك المراتب ، فإن العبارات إنما اختلفت بحسب الاعتبارات الأولى وهو الذي استعد به الإنسان لقبول العلوم النظرية والصنائع الفكرية ، وهو الذي حدّه الحارث بن أسد المحاسبي « 2 » - رضي اللّه عنه - فقال هو غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم الفكرية ، يقذفه اللّه في قلب من يشاء ، كما أن للحياة غريزة يتهيأ بها الجسم للحركات الآلية ، والإدراكات الحسية ، كذلك العقل غريزة يتهيأ بها ضبط العلوم الفكرية ، فكما فارق الحيوان الجماد بغريزة الروح ، كذلك فارق الإنسان البهيمة بتلك الغريزة ، وكمفارقة الحديدة الصقيلة لغير الصقيلة ، ونسبة هذه الغريزة إلى المحل كنسبة الشمس إلى نور البصر ، وبعض يرى من بعيد نصف يوم ، وبعض من كذا ، وبعض أعمش . المرتبة الثانية : من العقل ، هي العلوم التي يخرج بها إلى الوجوب لجواز الجائزات ، واستحالة المستحيلات ، وهي أول مراتب الإنسان للعقل فحدّه من هذه المرتبة بعض العلوم الضرورية . المرتبة الثالثة : هو علم مستفاد من هذه العلوم الضرورية بالقياس ، وهو
--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 51 . ( 2 ) هو الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد اللّه معدود في طبقة الصوفية الكبار ، وجمع في ثقافته بين علم الظاهر والباطن ، فقد كان عالما بالأصول والفقه والمعاملات بالإضافة إلى وعظه وأساليبه التروبية والذوقية ، ولد ونشأ في البصرة وتوفي ببغداد سنة ( 243 / 857 ) بعد أن ترك تآليف ورسائل مفيدة . ترجمته في : حلية الأولياء 10 : 73 ، صفة الصفوة 2 : 207 ، وفيات الأعيان 1 : 126 حلية الأولياء 10 : 73 .